فؤاد المزنعي: الخيانة الوطنية في اتفاقية إعمار اليمن

إن أحد أكثر مظاهر الخيانة الوطنية تجلياً في تاريخ اليمن الحديث يتمثل في الإتفاقية المسماة بــ ” إتفاقية تنمية وإعمار اليمن ” والموقعة في شهر مايو من العام 2018م بين حكومة المملكة العربية السعودية وما يسمى بالحكومة الشرعية للجمهورية اليمنية والمتواجدة في فنادق الرياض. حيث مثّل الجانب السعودي خلال توقيع هذه الإتفاقية المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن السفير/ محمد بن سعيد آل جابر ، فيما مثّل جانب ما يسمى بالشرعية وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور/ نجيب الأعوج.

ومن خلال مراجعة هذه الإتفاقية المكونة من ثلاثة عشر مادة، يتضح لنا أن الإتفاقية تعطي السعودية صلاحيات كاملة في إدارة موارد الدولة اليمنية ما يخولها لإدارة الملف الاقتصادي لليمن دون الرجوع للحكومة اليمنية.وإن من اللافت في هذه الإتفاقية إنها لم تشير في مضمونها إلى إعادة بناء ما دمره العدوان السعودي الآثم على اليمن. والأعجب أن هذه الإتفاقية تتجاوز نصوصاً قانونية ودستورية نافذة في اليمن جاعلةً من الدولة اليمنية قاصراً محتاجاً للوصاية السعودية على الدوام وفي صورة إحتلال اقتصادي متكامل الأركان وتحت مسمى كذبة كبرى اسمها “تنمية وإعمار اليمن”.

كما تمنح هذه الوثيقة المسئولين السعوديين سلطة فرض المهام على الجانب اليمني الذي أصبح بموجبها موظفاً لدى السعودية والتي حصلت وبموجبه على الحق الحصري في الإستثمار دون منافسة من أي شركة أجنبية أخرى.أما المادة العاشرة من هذه الإتفاقية فمنحت المسئولين السعوديين كامل الحصانة من أي ملاحقات قانونية قد تطالهم بصفتهم دبلوماسيين وهو ما يخالف مخالفة صريحة اتفاقية فيينا الدولية للعام 1961م والتي حددت إجراءات وضوابط خاصة لعمل الدبلوماسيين بين الدول. كما أن المادة الرابعة من هذا الإتفاق منحت البرنامج السعودي حقوق تتعارض مع كل القوانين المنظمة للتعاملات المصرفية والتي منھا عمليات الإقراض، بالإضافة لمنح البرنامج حرية الاستثمار، وبهذا يكون البرنامج السعودي هنا قد خرج عن أداء دوره المحدد في ديباجة الاتفاقية وبنودھا ووضعته في مصاف البنوك المقرضة وفي مصاف المستثمرين.والأهم في هذه الإتفاقية أنها تعفي الشركات والموردين السعوديين والجهات المتعاقدين مع البرنامج من دفع الرسوم الجمركية والضريبية المترتبة.

هذا بالإضافة إلى أن السعودية لم تضع إطاراً زمنياً للاتفاقية في سابقة يندر أن تحدث في أي اتفاقيات بين الدول التي تحترم نفسها.كما تضمنت الإتفاقية تأكيداً على أطماع السعودية في اليمن من خلال الترويج لمشاريع وهمية خاصةً في محافظة المهرة وحقيقة التوسع ومساعي للسيطرة والتحكم على اليمن وثرواتها بكل الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية وغيرها، كما كشفت لنا هذه الإتفاقية جلياً البعد الاقتصادي للصراع الدائر في اليمن.يبدو أن هذه الاتفاقية ، الغير معلنة للرأي العام ، تهدف وعن عمد إلى التهرب عن المسؤوليات القانونية الدولية المترتبة على المملكة العربية السعودية فيما يخص إعادة بناء ما دمرته آلتها العسكرية خلال حربها على اليمن بل وتعويض آلاف الضحايا من الذين سقطوا من اليمنيين وكحق مكفول في القانون الدولي. كما إن هذه الإتفاقية ما هي إلا شكل من أشكال الخيانة الوطنية وانتقاصاً واضحاً من الحق السيادي للجمهورية اليمنية وتتعارض مع معظم المواد الدستورية والقوانين النفاذة في البلاد، حيث والسعودية بهذه الإتفاقية تصادر القرار اليمني وتنتهك سيادته وتكرس الهيمنة السعودية على اليمن.وإن من المثير للدهشة أن نرى حكومة تدعي أنها شرعية وهي تقوم ببيع بلادها بثمن بخس. كيف يمكن لإنسان أن يبيع وطنه ؟ أي مبلغ يستحق أن نخون أوطاننا من أجله ؟

صحيح إن التاريخ البشري مليء بالخونة والمتعاونين الذين خانوا شعوبهم ودولهم ، ولكن لم نسمع عن خيانة عظمى بهذا الحجم والتي أقدم عليها أولئك المرتهنين في فنادق الرياض وباعوا أوطانهم بثمن بخس.إن من المؤكد في نهاية المطاف ، أنه لن يكون لدى هؤلاء الخونة فرصة للاستمتاع بثمار خيانتهم لفترة طويلة فهي سنة الله في هذا الكون. فالخيانة وصمة عار وذنب لا يُغتفر بحق من اقترفها في كل الشرائع السماوية والشرائع الوضعية.ألم يكن هتلر ونابليون يستعينان بمرتزقة وخونة ومن ثم يرمون بهم أو يقتلوهم ؟ فخائن الوطن لديهم لا يستحق الحياة. دروساً تاريخية علمتنا أن الدول لا تسقط إلا بالخيانة ، وغالبا لا ينتصر عدوك عليك إلا إذا تم اختراقك من الداخل. كان الثائر التاريخي جيفارا صادقاً عندما قال : إذا أردت تحرير وطنك فضع في مسدسك عشرُ رصاصات تسعاً منها للخونة وواحدة لعدوك.ليس هناك أي شك ، في إن هذه الإتفاقية كشفت لنا وبجلاء مستوى الخيانة التي وصلت إليها ما تسمى بــ” حكومة الشرعية ” والمرتهنة في فنادق الرياض. ولكن، وبإذن الله ، لن ترى هذه الوثيقة النور مادام هناك أحراراً ومخلصين أوفياء في هذا البلد الشامخ الأبي.وختاماً نقول لمن يفهم … لن ترى الدنيا على أرضي وصيا …

فؤاد بن علي المزنعي

شارك الموضوع
انتقل إلى أعلى