منير الماوري: لماذا لم يفلح بنو هاشم في الحكم؟

الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يريد حسب ظني وتفسيري المتأخر نقل الخلافة إلى بني زهرة في قريش لاعتقاده أنهم خارج نطاق الصراع أو التنافس الحاد على السلطة والسيادة بين بني مخزوم وبني عبدمناف فضلا عن الصراع داخل عشيرة عبدمناف ذاتها بين الفرع الأموي والفرع الهاشمي..

فإذا ما نظرنا إلى الستة الأشخاص الذين اختارهم عمر قبل موته وكلفهم بالتشاور لاختيار من يخلفه فقد اختارهم ليمثلوا أبرز بطون قريش باستثناء قومه بني عدي الذين ينتمي هو إليهم وبني مخزوم الذين ينتمي إليهم خالد بن الوليد وبعض كبار الصحابة الذين لم يشهدو غزوة بدر أو شهدوها في صفوف مشركي مكة. لقد تعمد عمر حرمانهم من المشاركة في اللجنة ليس لعدم أسبقيتهم للإسلام ولكن لأنهم أيضا مشاغبون وقد لا يجتمع الناس حولهم كاجتماعهم حول عشيرة بني زهرة الكبيرة أو عشيرة تيم الصغيرة أو بقية العشائر المسالمة. ومن اللافت أيضا أن عمر بن الخطاب اختار من كل بطن من بطون قريش شخصا واحدا بينما اختار من بني زهرة اثنين هما عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. وأن يكون لبني زهرة ممثلان اثنان في اللجنة السداسية معناه أن فرصتهم في تولي القيادة ستكون ضعف الفرصة الممنوحة لبني أمية (يمثلهم عثمان) أو لبني هاشم (يمثلهم علي) أو لبني تيم (يمثلهم طلحة) أو بني أسد (يمثلهم الزبير)، وهذا ما يجعلني أعتقد أن عمر كان يخطط لنقل الخلافة إلى بني زهرة. وفضلا عن اختياره شخصين من هذه العشيرة فإنه أيضا أوصى المحكمين الستة اذا انقسموا في الرأي بنسبة ثلاثة إلى ثلاثة أن يكون ميزان الترجيح لصالح الثلاثة الذين بينهم عبدالرحمن بن عوف.. بمعنى آخر كان عمر يريد أن يصبح عبدالرحمن بن عوف الخليفة بعده، ولكنه لم يكن يرغب أن يفرضه فرضا، ربما رغبة منه في تطوير الممارسة إلى الأفضل والاقتراب من الاختيار الشوروي بصورة أكبر.

لكن لأن عبدالرحمن بن عوف كان زاهدا في الإمارة فلم تسير الأمور بالطريقة التي كان يريدها الخليفة الثاني، إذ أن عبدالرحمن بن عوف ذهب أولا إلى علي بن طالب الهاشمي القرشي عارضا عليه أن يتولى أمر المسلمين شريطة أن يلتزم بما سار عليه الشيخان من قبله أبو بكر وعمر وهو ما رفضه الإمام علي فذهب إلى  عثمان بن  عفان الأموي القرشي فلم يتردد عثمان في قبول الشرط فسارت الأمور على غير ما كان يشتهي عمر وعلى غير ما يشتهي علي. ويجدر بي هنا أن أنوه إلى أن هذه رؤية شخصية لم ترد في كتب التراث وإنما إعادة قراءة للأحداث قد أكون مصيبا فيها وقد أكون مخطئا. لكن الواضح من ترتيب الأحداث وتسلسلها أن عمر بن الخطاب لم يكن يرغب أن يتولى منصب الرجل الأول أي شخص من بني أمية ولا من بني هاشم لاعتقاده أن الصراع المكبوت بين الفرعين من جهة وبينهما مع بني مخزوم من جهة أخرى هو صراع يشكل خطورة كبرى على مشروع بناء الدولة الناشئة. ومع ذلك لم يكن بمقدور عمر أن يتجاهل عشيرتين في قريش في مستوى بني هاشم وبني أمية أو على الأقل شخصا بحجم الإمام علي وآخر بمكانة عثمان بن عفان وما لهما من أسبقية في الإسلام، فكان إشراكهما على مضض وعلى أمل أن تنجح خطة ابعاد الطرفين من السلطة لصالح طرف ثالث أقل إثارة للخلافات. وكان عمر بن الخطاب قد نجح من قبل في استبعاد الأنصار وغير الأنصار من السابقين، وأكاد أجزم أن الغرض من استبعادهم لم يكن الهدف منه هو حصر الخلافة في قريش كما يزعم بعض المؤرخين وإنما هو الخوف على مصير الدولة الوليدة لأن الرئاسة إذا تولها أنصاري خزرجي سوف يثير حنق الأوس والعكس صحيح، وهو أمر خطير قد يؤدي إلى تشظي مشروع تأسيس الدولة في مرحلة مبكرة. ولولا التنافس الحاد بين الأوس والخزرج لما تمكن عمر من استبعادهم أو بتعبير آخر لما سعى إلى إقصائهم من السلطة، وما يؤكد ذلك أن أبرز المعارضين لترشيح الخزرجي سعد بن عبادة كانوا من الأنصار أنفسهم ومن قبيلة الأوس اليمنية اليثربية على وجه التحديد (من المعروف أن اليمنيين أفرادا وقبائل يغارون من بعضهم ويكيدون لبعضهم ولا يريد أي طرف أن يسود الطرف الآخر حتى لو كان ذلك في صالح الجميع). لقد تنفس أبناء قبيلة الأوس الصعداء عندما تم طرح اسم أبي بكر الصديق بديلا لسعد بن عبادة الخزرجي، وكان أبوبكر الصديق أقرب للإجماع عليه من اي شخص آخر ينتمي إلى عشيرة قوية تخشاها بقية العشائر إذ أن قبيلة تيم التي ينتمي إليها أبو بكر لم تكن في حجم بقية قبائل قريش الرئيسية.

ومن هنا يمكن القول إن انتماء الإمام علي لبني هاشم لعب دورا في غير صالحه مثلما أن انتماء عثمان بن عفان لبني أمية هو ما تسبب في الفتنة الكبرى بسبب هيمنة بني أمية على أهم مفاصل السلطة ومصادر الثروة في ذلك الزمن.

لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبيرا اجتماعيا ومستوعبا لتناقضات المجتمع الذي يعيش فيه واراد أن يجنب الناس تبعات تلك التناقضات التي لم يتمكن الإسلام من التغلب عليها إذا أن الأديان تنجح أكثر في ترسيخ الأعراف والقيم القائمة وغالبا ما تفشل في أو على الأقل تعاني من صعوبات في فرض القيم الجديدة غير المألوفة.

ومما يؤسف له أن ما كان يخشى منه عمر قد وقع رغم كل الاحتياطات وهو ما يؤكد أن الرجل كان ثاقب البصر والبصيرة، ولكن معظم المؤرخين يغفلون أهم عنصر جديد جاء به عمر في زمانه ويحاولون تقييم تجربته بناء على مقاييس عصرنا الحالي والمثاليات التي غالبا من نفشل في تطبيقها من ديمقراطية وتبادل سلمي للسلطة إلى آخر ذلك من القيم العصرية.

لقد نجح عمر في ابتكار نظام جديد لتولي السلطة لا يقوم على الانتقال الوراثي للسلطة الذي كان سائدا في ذلك العصر والعصور السابقة له.  نعم لقد جاء بنظام جديد هو اختيار شخص من خارج نطاق أسرة الحاكم السابق، وكان مصرا على ذلك بأن استثنى نجله عبدالله عمر من قائمة المرشحين بل واستثنى قومه جميعا، كما حاول أن يستثني الفئات التي كان يتوقع أن تقود الأمة إلى التناحر.

وأعتقد أن النظام الذي أتى به عمر بن الخطاب وإن لم يكن مثاليا إلا أنه كان خطوة جبارة وتغيير جذري ثوري بمقاييس ذلك العصر. والغريب في الأمر أن هناك حتى في عصرنا الحالي من لا يزال مصرا على أن يعود بنا مرة أخرى إلى العصور الوراثية.

إن ولاية بني هاشم للأسف كانت وراثية من الإمام علي لنجله الأكبر الحسن، وأظن أن هذا الأمر أوجد المبرر لمعاوية ابن أبي سفيان كي يمهد الطريق أمام نجله يزيد ليتولى منصبا اكبر من قدراته هو منصب أبيه.

وهناك من يحاول أن يأتي بمبررات وحجج دينية وتأويلات لا حصر لها لإثبات أحقية أحفاد بنت النبي بالسلطة إلا أن هذه المبررات لا تعني شيئا لمن يسعى لبناء دولة مدنية قائمة على تكافؤ الفرص بين الجميع بلا استثناء، فلا يجب أن تحصر السلطة في سلالة أو عرق أو دين أو لون أو طائفة ولا في أسرة، فعصر الحكم الأسري في طريقة إلى الزوال وسيبدأ هذا الزوال من دول الخليج العربي عما قريب.

إن الاستناد إلى نوعية الحيوان المنوي الذي أتى منه الانسان أو نوعية الفرج الذي خرج منه لتبرير أي حق يسعى إليه ديني أو دنيوي ما هو إلا نوعا من التفكير المتخلف العقيم. وقد ينجح هذا النوع من التفكير في إقامة دولة مؤقتة أو عصبة أو عصبية من نوع ما لكن بقاء مثل هذه الدولة أو العصبة أو العصبية سيكون مستحيلا.

الشيء الوحيد الذي قد يؤدي إلى انتصار سلالة معينة بحكم محدود زمنيا ومكانيا هو تفشي السلالية والمناطقية والشللية والفئوية في جميع مفاصل المجتمع. فعندما يصبح المواطن اليمني مخيرا بين أسرة تافه من التافهين أو عميل من العملاء أو حقير من الحقراء أو فاسد من الفاسدين سواء كان هذا التافه يسمى جلال هادي أو أحمد بن دغر أو حمد بن مبارك أو مقدشي أو أحمر أو أصفر فإن الأفضلية ستكون بلا أدنى شك لطرف آخر باق في وطنه لم يرتمي في أحضان أعدائه، بل إن أحقيته في القيادة تصبح مسنودة بحقائق على الأرض وليس بمجرد مزاعم دينية.
وحتى لو أتينا للمزاعم الدينية أ الكهنوتية فإنها تصبح في نظر العامة أقل خطرا من تفاهات التافهين وحقارة المرتزقة من بائعي الأوطان. بل إن البعض ربما عن جهل وربما عن يأس بدأ يقارن بين شلل ورموز التفاهة والهزال وبين أسر أخرى تتعالى بالانتماء إلى رسول الله فيكون الخيار بلا شك لصالح من يتفاخر باسم الرسول وليس لمن ينتمي إلى شلة الوضيع أو زوجة السفير أو عشيقة بن دغر.
ومع ذلك فإن التفضيل لمن هو باق في وطنه سواء كان حوثيا أو انتقاليا لن يستمر إلى ما لا نهاية. فإذا كان هناك أي أسرة تعتقد أنها تستغل المجتمع اليمني أو تضحك عليه باسم الانتماء السلالي فعليها أن تدرك أن المجتمع أكثر ذكاء وفطنة إذ أن المجتمع هو من يستخدم هذه السلالة للقضاء على السلالات التافهة والأسر القميئة، والحكام الخونة، وسوف يتفرغ لاحقا لأي سلالة أو زلالة تدعي وجود حق إلهي يمنحها حرية التسلط على رقاب اليمنيين.

على هؤلاء أن يدركوا أن أقارب الرسول الحقيقيين واجهوا القتل والإبادة بعد وفاته بعقود معدودة في وقت كان فيه الجميع مقتنع بالفعل أنهم أقارب الرسول فكيف سيقبل أي مجتمع في عصرنا الحديث أن تحكمه أسره أو عدة أسر باسم الرسول أو بنت الرسول أو زوجة الرسول ولا يوجد ما يثبت مثل هذه المزاعم المتخلفة، بل إن محاولة نفي الأحقية السلالية لتولي الحكم لا تقل تخلفا وسخافة عن محاولات اثباتها. إن الدولة المدنية التي تستوعب جميع مكونات المجتمع بدون استثناء لأحد هي الحل الوحيد وسوف يصل اليمنيون إلى هذا الحل الوحيد بعد أن يجربوا كل الأخطاء الممكنة وبعد أن يستنزفوا كل عمليات الإقصاء ومحاولات الاستئصال غير الممكنة.

منير الماوري

شارك الموضوع

4 أفكار عن “منير الماوري: لماذا لم يفلح بنو هاشم في الحكم؟”

  1. الرسول لم يكن في رسالته ومسيوليته الرسالية هاشميا قرشيا بل كان حنيفا مسلما ولا يوصف النبي بالفرشية والهاشمية هذا توصيف عصبوي قبلي وليس منهجي قيمي وفق قواعد الرسالة ومنهجها وهدفها الرسالي والإنساني
    العصبوية هي واقع جات الرسالة لتتجاوزها وتوسس لمنهج عابر للحدود القبلية والعصبية وعابر للجغرافيا ولذلك لأيصلح الكلام بالقول إن هذا الهاشمي القرشي أسس وانجز وبناء …. الخ هذا منطق لايقبله منهج الرسالة فالانجاز والتأسيس كانت بكون هذا النبي والرسول بصفته الرسالية وليس بصفته القبلية والسلالية ولذلك لايجوز هذا المنطق الذي يختزل الرسول بالصفة القبلية والسلالية ويوسس مثل المنطق الي عصبوية تناقض فكرة الرسالة والمنهج ولذلك مقال الماوري اتجه نحو تفريغ العصبوية لصالح المنهج والرسالة وهذا هو الصحيح في القول والتحليل ولذلك فاشارة المحالة لصاحب التعليق فيما يخص محمد القرشي النبي القرشي الهاشمي هذا لايتفق مع غايات الوحي والرسالة
    شكرا للاخ منير الماورى علي تحليله وهو روية جديدة في تحليل جذر لاحداث واشكاليات الصراع السياسي القرشي واستنتاحاته الرائعة

  2. الأمر الذي يحتاح إلى إدراكه بعض الهاشميين هو أن نجاح محمد بن عبدالله في قيادة وتنظيم المجتمع ليس لأنه قرشي هاشمي بل لأنه رسول الله. والأمر الذي نختلف فيه نحن الزيدية مع بعض أتباع المذاهب الشيعية الأخرى هو أن المزايا التي نراها في الرسول صلوات الله وسلامه عليه ونراها في الإمام علي بن أبي طالب، لا نرى أنها تنطبق بالضرورة على عبدالملك الحوثي أو مقتدى الصدر أو حمود عباد أو محمد العماد أو حتى على الحبيب الجفري، وليس لدينا عمامات بيضاء وعمامات سوداء فكل عماماتنا بيضاء والحمدلله.

  3. الأستاذ الكريم محمد عبدالله
    لأ أرى أي خلاف مع ما طرحته في تعليقك فكلامك هو مكمل لما ورد في المقال، والمقال لا يأتي في سياق الحرب على الهاشمية بل يرفض الانتقاص من أي بشر بسبب سلالته أو لون بشرته أو أصله العرقي مثلما يرفض أعطاء أي بشر حقا سياسيا لذات الأسباب. الأمر الذي يحتاح إلى إدراكه بعض الهاشميين هو أن نجاح محمد بن عبدالله في قيادة وتنظيم المجتمع ليس لأنه قرشي هاشمي بل لأنه رسول الله. والأمر الذي نختلف فيه نحن الزيدية مع بعض أتباع المذاهب الشيعية الأخرى هو أن المزايا التي نراها في الرسول صلوات الله وسلامه عليه ونراها في الإمام علي بن أبي طالب، لا نرى أنها تنطبق بالضرورة على عبدالملك الحوثي أو مقتدى الصدر أو حمود عباد أو محمد العماد أو حتى على الحبيب الجفري، وليس لدينا عمامات بيضاء وعمامات سوداء فكل عماماتنا بيضاء والحمدلله. أما مزايا الرسول صلى الله عليه وسلم فهي مزايا خاصة بفرد لا بسلالة أو قبيلة وقد شاءت حكمة الله تعالى ألا يكون للرسول أولادا في مجتمع ذكوري ربما لتجنيب المجتمع صراعات لاحقة لا طائل منها ولتنزيه النبي المعصوم عن أي أخطاء قد يرتكبها أولاده غير المعصومين من بعده. أما صهر الرسول وابن عمه الإمام علي بن أبي طالب فقد اكتسب بعض مزاياه إن لم نقل معظمها من مدرسة رسول الله ومن معايشته للنبي محمد، وقربه منه وليس من قرابته له. لا يوجد ميزات جينية على الإطلاق أو تميز سلالي أو حق إلهي لأي اسرة أو قبيلة، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. ولو كان للسلالة أو الأسرة أي دور لما تعرض عم الرسول للشتم مدى الدهر وسيظل يتعرض لشتيمة إلى يوم القيامة. وعلينا أن نتذكر أن معايشة سلمان الفارسي وصهيب الرومي لرسول الله أكسبتهما الكثير مما كسبه غيرهما من تربية وتقويم وأخلاق رغم أن الأول من عرقية فارسية والثانية من العرق الرومي.
    ما يحاول المقال أن يوصل القاريء إليه هو أن محاولات الصحابي الحكيم عمر بن الخطاب قبل خلافته وبعد أن تولى الخلافة في إبعاد الأوس والخزرج عن السلطة ثم محاولاته في إبعاد الهاشميين والأمويين عن منصب الخلافة كان دافعه في ذلك سياسي بحت من أجل إنجاح مشروع الدولة ومن أجل إبعاد المشروع عن الصراعات المبكرة لحماية المشروع من الإجهاض. لم يكن لعمر بن الخطاب أي دافع سلالي أو قبلي أو عشائري أو حتى فردي (من وجهة نظر الكاتب) والدليل على ذلك أنه حرم قومه بني عدي من المنافسة على الخلافة حتى لا تتحول الخلافة إلى ملك وراثي رغم أن نجله عبدالله بن عمر كان يتمتع بصفات تؤهله للمنافسة بقوة وكان أكثر قبولا وتأهيلا وحكمة من يزيد بن معاوية.
    إن اختيار عمر بن الخطاب لأبي بكر الصديق ليكون الخليفة الأول كان منبعه الحرص على إنجاح التجربة لأن عمر كان يدرك أن الصراع بين الأوس والخزرج في المدينة ضارب الجذور مثلما هو الصراع بين الهاشميين والأمويين في مكة أكثر عمقا. والأمر الذي يمكن أن أختلف معك حوله هو أن لجنة عمر السداسية لم تنكشف كما تقول بل كانت خطوة رائدة في نقل المجتمع من النظام الوراثي إلى النظام شبه الشوروي. وللأسف الشديد فإن النظام الوراثي عاد للظهور مجددا مرتين، الأولى بعد وفاة الإمام علي بتولية ابنه الحسن والثانية بعد فاة الخليفة معاوية بن أبي سفيان أو بالأصح أثناء حياته بأخذ البيعة في ولاية العهد لابنه يزيد.
    وفي تاريخنا المعاصر أراد بعض القادة العرب أن يعيدونا إلى الأنظمة الوراثية الجملوكية ومن ضمنهم علي عبدالله صالح وحسني مبارك وصدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وزين العابدين بن علي حيث كان هؤلاء يرغبون في تحويل البلدان التي يحكمونها إلى جمهوريات وراثية لولا أن ثورات الربيع العربي الفاشلة نجحت في إفشال خطط التوريث العائلي في أكثر من دولة عربية. ومن اللافت أن نظامين فقط من الأنظمة الجمهورية العربية لم تشملهما انتفاضات 2011 الشعبية وهما نظام البشير في السودان ونظام بوتفليقة في الجزائر، وربما أن سببت نجاتهما في حينه يعود جزئيا إلى عقم البشير عن الإنجاب وعدم وجود أولاد لدى بوتفليقه، ولهذا فإن الإطاحة بهما تأخرت زمنيا لكنها تحققت في نهاية المطاف لأسباب أخرى ليس من بينها توريث الحكم.
    الخلاصة أن الأنظمة الوراثية سواء كانت ملكية أو جمهورية لم تعد ملائمة للعصر الذي نعيشه وهي في طريقها للاندثار. ويبقى التأكيد على أن السلالية لا تعني فقط محاولة الاستئثار بالحكم بل تعني أيضا حرمان أي أي سلالة أو طائفة أو مذهب من فرصة التنافس والشراكة في الوطن. وبعبارة أخرى يتوجب على من يعارض حصر القيادة في الهاشميين أن يعارض كذلك حرمان الهاشميين من القيادة بسبب سلالتهم أو نسبهم.
    العنصرية هي مثل القطعة المعدنية لها وجهان وليس وجه واحد فقط، ولكن لا يجوز لنا أن نتأمل الوجهين بمقياسين مختلفين بل بمعيار واحد يرفض الاستئثار بالحكم ويمنع في ذات الوقت الإقصاء لاي مكون من مكونات الوطن. التجربة العمرية لم تعد صالحة لعصرنا الحالي فقد تجاوزنا بكثير والدولة المدنية هي الحل العادل والمقبول لدى جميع الأطراف.

  4. تحليل مبتكرخلاق لاحداث الخلافة. وافكار نيرة وعصرية وواقعية تطرحها يا سيدي العزيز. ولكنني اختلف معك في الاستنتاج . فرغم منطقية قولك الا ان المقال ينطلق من خلفية سلالية عشائرية قبلية ثم ينتقد العصبية الهاشيمية لكونها سلالية. يا سيدي السلالية صفة بشرية أزلية عبر العصور والقارات. ولقد اتى سيدنا محمد صل. بتنظيم هذه الفطره والحقيقة الحياتية (والله لو سرقة فاطمة بنت محمد لاقمت الحد…صل الله عليه وآله وسلم ) وقال صل. لبني هاشم.(لا ياتينني الناس باعمالهم وتاتوني بانسابكم.. فوالله لا اغني عنكم من الله…). اذا فان الاعتراف بواقعية العصبيات واجب والاوجب هو تنظيمها وتاطيرها. هذا التنظيم والتاطير ما هو الا من معجزات الاسلام. ولقد اراد الله ان يكون قائد تنظيم المجتمع هو القرشي الهاشمي محمد صلوات الله عليه وعلى آله. ولقد نجحت هذه الشخصية بالمهمه ودانت لها القبائل بحكمة الله وتوفيقة. ولقد اسس هذا الهاشمي النظام الاسلامي في قالب مدني متوازن بين العصبيات ومتماهي مع الغرائز وفي نفس الوقت يقدم العدل والمساواة للمسلم وغير المسلم العربي والاعجمي الابيض والاسود. هذا القرشي الهاشمي حقق اول دولة مدنية في المدينه المنورة وأسس نوات جاذبة… من هنا اقول ان المنطق ينافي العبث بهذا النموذج . وانه من التفريط والعبث التلاعب بالمعادلة التي صاغها هذا القرشي الهاشمي. ولا نحتاج للاختلاف حول ما اقول. فالدليل امامنا ماثل. ماذا حدث عندما خرج المسلمون من هذه المعادلة.
    وعليه. فان التوجيه لحرب الهاشمية هي نغمة فاسدة يتم تغليفها بالوان وشعارات ونظريات ذات رائحة جذابة سرعان ما تنكشف سوؤتها. فسداسية سيدنا عمر سرعان ما انكشفت. وقميص عثمان سرعان ما اصبح ملكا عضوض… وجمهورية عفاش ما لبث ان اصبح السفير ولي العهد… المثل الوحيد للسلالية الناجحة هي الملكة إليزابيت

تم إقفال التعليقات.

انتقل إلى أعلى