حسين الوادعي: ما لا يعرفه العالم عن اليمن

صباح الخير أيها العالم من اليمن

حين تستيقظ صباحاً وتبدأ بتناول قهوتك قد لا تعرف أن وطناً صغيراً اسمه اليمن في طريقة الى الاختفاء.
في رشفتك الأولى من فنجان قهوتك سيكون 10 من الأطفال الذين قطفوا حبّات البن قد تم تجنيدهم للقتال. وفي طرف آخر من اليمن سيكون 10 آخرون من الأطفال الجنود قد ماتوا في حرب لا يفهمونها.
دعوني أقدّم إليكم اليمن من الداخل، إذا كنتم لم تسمعوا عن هذه البلاد من قبل:
إنها تلك البلاد التي لديها أسوأ خدمة أنترنت في العالم، بعد موزامبيق، وأعلى معدل من مستويات سوء التغذية، بعد أفغانستان، وأعلى معدل بطالة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إنها الدولة التي تحتل المرتبة 151 من بين 177 دولة في تقرير التنمية البشرية.
البلاد التي تصبح أكثر من نصف الفتيات فيها أمهات قبل سن 18.
البلاد التي يظل 80 في المئة من أطفالها بلا شهادات ميلاد حتى سن السابعة أو الثامنة عشرة.
البلاد التي تجد فيها مليوناً و400 ألف طفل عامل، منهم 469 ألفا تتراوح أعمارهم من 5 الى 11 سنة. منهم 192 ألف طفل مصابون بأمراض خطيرة مثل العمى والربو والسرطان، نتيجة انخراطهم في أعمال خطرة.
انها البلاد الذي ستجد 3 ملايين من أطفالها خارج المدرسة.
هل تعرفون ما هي أسرع طريقة للحصول على معلومات عن اليمن؟ بسيطة جداً: إذهب الى آخر عمود أو آخر صفّ في أيّ تقرير دولي. هنالك، في قاع العالم، تجد اليمن.
على الرغم من ذلك هي بلاد حقيقية جداً.
حقيقية كقذيفة طائشة تفاجئك وتهشم رأسك، وأنت عائد الى بيتك. هذا ما يحدث لعشرات اليمنيين كل يوم.
صباح الخير أيها العالم!
يذهب أطفالكم الى المدارس بأمان، ويعودون. في هذه الساعات القليلة يكون طيران التحالف قد دمّر مدارس عدة في اليمن. ويكون تحالف الحرب الطائفي المحلي قد حوّل عدداً آخر من المدارس مخازن للأسلحة وسجوناً.
لن يستطيع كل أطفال المدارس في اليمن استكمال دراستهم في العام المقبل، لأنهم، بكل بساطة، يكونون قد ماتوا.
هل موت الأطفال حدث سائد في بلدكم؟
إنه سائد جداً هنا: يموتون بسبب سوء التغذية أو الاسهال أو الحصبة أو القصف المحلي والخارجي.
هل من الطبيعي أن يغيّر أطفالكم أصدقاء المدرسة بين عام وآخر، لأن أصدقاءهم في العام السابق ماتوا أو أصبحوا مجندين في سن الثانية عشرة؟
هل سمعتم عن جماعة الحوثي المتمردة التي استولت على 80 في المئة من البلاد خلال شهور عدة؟
50 في المئة من مقاتليها أطفال تحت سنّ الثامنة عشرة.
هل حدّثتك ابنتك ذات السادسة عن خوفها من الموت بقذيفة طائشة؟
هذا يحدث كل يوم في اليمن.
اليمن ليست وطناً فقط بل كوكب كامل من الإثارة.
اليمن بلاد موجودة على الخريطة، لكنها غير مرئية. يتحدث العالم عن أوطان خيالية ابتكرتها أفلام هوليوود أكثر مما يتحدث عن اليمن. كثيرون يتمهلون لثوانٍ عندما يسمعون اسم اليمن ليزنوه في رؤوسهم ويخمّنوا إذا كان هذا اسم بلاد حقيقية أم اسماً لجغرافيا من الخيال.
قانون عصر المعلومات يقول إن ما هو خارج الإعلام غير موجود في الواقع.
ليس في اليمن نجمة إغراء مثل كيم كارديشيان. لا يوجد لديها سينما أو مسرح أو لاعب مشهور مثل ميسي، أو مغنية محبوبة مثل بريتني سبيرز. في اليمن صار الغناء حراماً والرياضة مكروهة والمسرح منقرضاً.
ماذا يوجد لدى اليمن: فقراء ومقاتلون وقادة مهووسون بالموت والقتال والشهادة في سبيل الله أو في سبيل الشيطان.
فوق كل هذه المآسي هناك حرب طاحنة الآن في اليمن.
لكنكَ عندما تبحث عن أخبار الحرب في نشرات الأخبار ربما لن تجد اسم اليمن يتردد كثيراً.
ستسمع أن هناك حرباً بين السعودية وإيران تدور في منطقة جغرافية نائية محاصرة. وستسمع أن هذه الحرب تقصف المعسكرات والمستشفيات والمدارس والطرق والجسور وتقتل الكثير من المدنيين. من بينهم، خلال شهر واحد فقط، 151 طفلاً مثل اطفالكم الذين يلهون حولكم الآن بسعادة. ستسمع أن هذه الحرب اسمها “إعادة الامل”، وستضحك كثيراً حتى البكاء.
صباح الخير أيها العالم!
خلال أسابيع قد لا يكون هناك وجود حقيقي لبلاد اسمها اليمن. قد تتحول خريطتها الى فسيفساء من الميليشيات المتصارعة. قد تتعطل خدمة الانترنت خلال أيام وتكون هذه آخر رسالة تصل اليك من العالم الخارجي، من هناك. كم شخصاً منكم لديه حساب على الـ”فايسبوك”؟ وهل يتناقص عدد أصدقائكم الـ”فايسبوكيين” بسبب الملل؟ عدد أصدقائي يتناقص ولكن لسبب آخر: الموت. ثلاثة منهم ماتوا في عدن في الأسابيع الماضية. اثنان في مأرب، وواحد في تعز. التالي ربما يكون في صنعاء أو الحديدة. ماتوا، لكن صفحاتهم لا تزال حية. ولا تزال صورهم ومنشوراتهم تقفز أمامي بين حين وآخر، كأنها صرخات من عالم آخر. كأنها تعاتبني لأنني خنتهم ولأنني لا أزال حياً. هل سمعتم عن بلاد تشعرون فيها برغبة في الاعتذار لأنكم لا تزالون أحياء؟ هذه البلاد هي اليمن!
فصباح الخير أيها العالم!
جهاديو الحرب الدائمة
الذي يحارب من أجل مصلحة سيعرف عند نقطة معينة أن حربه لا بد أن تتوقف، سواء تحققت المصلحة أم لم تتحقق. أما الذي يحارب تحت دافع هوس الجهاد والتمكين الإلهي، فإن إيقاف الحرب عنده أكبر هزيمة يسعی قدر طاقته لتجنّبها.
لا تعترف حركات الحرب الدائمة بمفاهيم النصر والهزيمة. الدمار عندها ليس بهزيمة، ولا الموت. الهزيمة الوحيدة التي تعترف بها هي عدم قدرتها علی إشعال حرب جديدة. هذه الجماعات العقائدية يكون لديها فائض من العنف وحبّ الموت، يجعلها قادرة علی تنفيذ حروبها وحروب الآخرين. وهي غالبا ما تُستخدم من “طرف ثالث” لتسعير نيران حروبه ضد خصومه.
الجهاد هو الحرب الدائمة ضد المؤمنين والكفّار، الداخل والخارج، وضد الكبار والأطفال. الحرب هي ما تعتقد هذه الجماعات أنه يعفي يقينها من الأخلاق، ويبرر كل جريمة. إسألوا الحوثيين من يحاربون؟ كل شيء تقريباً: يقاتلون الأخوان والسلفيين والصوفيين والزيديين والاشتراكيين والقوميين والليبيراليين وحزب “المؤتمر” ومأرب وعدن والبيضاء وشبوه وصنعاء وعمران …إلخ. هذه هي حرب الطائفة ضد الجميع.
جهنم الدنيوية
كانت وظيفة الأديان تعبيد الطريق الى الجنة في الآخرة. لكن اختلاف الناس على إدارة شؤون المقدس حوّل وظيفتها الى تأسيس جهنم في الحياة الدنيا! “جهنم الدنيوية” لا تفرّق بين المؤمن والكافر، بين المستقيم والضال. وهي تلهم الجميع: القاتل والقسيس، الطفل والملك. لذا كانت الحروب الدينية أشرس الحروب وأطولها في التاريخ. قبل أسابيع قال هنري كيسنجر إن الشرق الأوسط يواجه حريقاً أعظم من الحروب الدينية في أوروبا القرون الغابرة. ليس في الأمر أيّ مبالغة. الدين يحمل السلاح ليقاتل.
نسي المؤمنون الربّ الواحد وصاروا يقاتلون من أجل ملوك الطوائف. نسوا جنة الآخرة وصاروا يوقدون النار عالياً في جهنم الحياة الدنيا. قتل في الحروب الدينية الأوروبية 10 ملايين إنسان، أي ما يعادل 40 في المئة من سكان وسط أوروبا. كم سيُقتل في حروب الطوائف الإسلامية؟ استمرت الحروب الدينية في أوروبا 131 سنة، بين 1517 و1648. واشتعلت نارُها في سويسرا، فرنسا، ألمانيا، النمسا، بوهيميا، هولندا، إنكلترا، سكوتلندا، إيرلندا، والدانمارك، نتيجة الانقسام المذهبي بين البروتستانت والكاثوليك، فانتشرت الأمراض والأوبئة. الفقر أصبح سمة سائدة في كل بلدان الحروب الدينية. واختفت الصناعة والتجارة والفنون. احتاجت أوروبا أكثر من 100 سنة بعد ذلك لتنهض مرة أخرى. فهل ستنهض دول الحروب الطائفية والهويات القاتلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن من أكوام الخراب، وكم تحتاج لذلك؟ سيقول كثيرون إنها حروب سياسية، وليست دينية. نعم، حتى الحروب الدينية بدأت كحروب سياسية، لكنها استخدمت سلاح الدمار الشامل غير القابل للمواجهة: الدين والمذهب. في منتصف الخراب والدمار نسي الناس السياسة التي أشعلت الحرب، وركزوا على الديني الذي يشعل نيرانها عاليا حتى السماء. أقنِعوا الحوثيين و”القاعدة” في اليمن، والملك السعودي الجديد ذا الخلفية العقائدية، ونظام الوليّ الفقيه في طهران، بأنها حرب سياسية، فأنام معكم قرير العين مستبشرا بنهاية قريبة. حروب أوروبا كانت حروب الكاثوليك والبروتستانت، وحروب المسلمين هي حروب السنّة والشيعة. أما “الفاتيكان الإسلامي” فله مركز مزدوج: الرياض- طهران.
يدل تاريخ الحروب الدينية على أنها لم تكن نزهات عابرة، بل مسيرات طويلة للقتل: اليمن الآن ساحة لحرب سياسية تتحول تدريجا الى مواجهة مذهبية –طائفية. “الحوثية السياسية” أعلنت الحرب الشاملة ضد الجميع منذ دخولها صنعاء. و”القاعدة” في انتظار اللحظة المناسبة للوصول الى الحد الأقصى للدمار. كم سيموت من اليمنيين من الآن حتى تضع حروب الرياض وطهران أوزارها؟ كم سنحتاج من الجثث حتى يكتسب سادة القتل فضيلة التواضع واحترام الحياة البشرية؟
ما يحدث اليوم في الرقة ودير الزور والموصل وتكريت والرمادي والبيضاء وشبوه وعدن ومأرب وعرسال وطرابلس ليس لعبة. إنها الشرارات الأولى لحرب سياسية مذهبية قد تكون جهنم العقود المقبلة.

السيادة القاتلة
عندما دخلت القوات الأميركية أفغانستان في 2001 لم يخرج لها الأفغان بالسلاح لمقاومتها ودحرها. خرجوا لاستقبالها فرحين بعدما أسقطت نظام “طالبان” الذي مارس قمعاً جعل المواطن الأفغاني مستعداً للترحيب بأقبح الغزاة للخلاص من السعير الطالباني. وعندما دخلت القوات الأميركية العراق في 2003 لم يخرج العراقيون لمقاومتها بالكلاشنيكوف، وإنما خرجوا لاستقبالها بالهتافات مرحّبين بالمحتل الذي خلّصهم من نظام عسكري بوليسي دمر المجتمع بمغامراته العسكرية طوال 4 عقود. هذا ما حصل عندما رحّب الليبيون بقصف الناتو للنظام الذي حمی جنون القذافي ومجونه وعائلته. هناك لحظة فاصلة في حياة المجتمعات تجعل قدرتها علی المقاومة الذاتية تنهار ويتحول الترحيب بالغزو الخارجي من “مستحيل وطني” الی “ممكن سياسي”. ليست البلدان دائما “مقبرة للغزاة”. فعندما يكون هناك طغيان داخلي، وعندما يتحول هذا الطغيان الی احتلال داخلي، تمارس فيه الأقلية المسلحة القتل والتنكيل وتدمير المجتمع؛ تفقد الهوية الوطنية معناها، ولا يعود من قيمة للمقاومة. بل ان المقاومة قد تصير مساهمة في استمرار المحتل الداخلي في طغيانه وعنجهيته. الاحتلال الداخلي يتوسع في عمليات القتل والتنكيل بالمواطن في حالات الغزو الخارجي، مستخدماً شعار الرد علی العدوان ذريعةً لمزيد من القتل والتنكيل الداخليين. وكلما كان المحتل الداخلي عاجزا عن الرد علی عدوان الخارج، اتجهت رصاصاته إلى المزيد من الرؤوس في الداخل.
يتحالف الاحتلال الداخلي والغزو الخارجي في تدمير الهوية والثوابت الوطنية. أما المجتمع المفكك جراء الاحتراب والاستبداد الداخلي، فلا يری نفسه إلا بين بديلين: “السيادة التي تقتل الإنسان” وتفضيل الموت برصاص الداخل علی الموت بصواريخ الخارج، أو الدعوة الى “التحرير الذي يدمر الوطن والهوية” وتفضيل المحتل الخارجي علی القاتل الداخلي.
عبد الناصر بعمامة سوداء
لعل أبرز صور السقوط الأخلاقي لـ”الأنتلجنسيا العربية” اليوم ما نلحظه من تحول رموز اليسار القومي العربي الی الطائفية. لقد كشفت التحولات الأخيرة أن نسبة كبيرة من مثقفي اليسار القومي كانوا “عبدة أصنام” أكثر من كونهم مدافعين عن قضية. قضوا شبابهم في تصنيم صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد، تأليههم وتبرير استبدادهم وجرائمهم وفشلهم. وعندما خلت الساحة من هؤلاء بحثوا عن صنم جديد ليمجّدوه فلم يجدوا أمامهم إلا الزعامات الشعبوية الطائفية التي حاولت اختطاف خطاب المقاومة والممانعة. انتقل هؤلاء من منابر بروباغندا الشعبوية والقومجية العربية بتجلياتها البعثية والناصرية والقذافية، الی منابر الممانعة الطائفية قي قنوات “الميادين” و”العالم” و”المنار” و”المسيرة”، وصحف “الأخبار” و”المسار” و”الأولی”، ليمارسوا الهواية نفسها: الكهانة وحرق البخور للصنم الأكبر والزعيم المعصوم والملهم. صار حسن نصرالله وعبد الملك الحوثي انبعاثاً لعبد الناصر بعمامة سوداء. وتحول الاحتلال الداخلي للميليشيا الی بناء للدولة، والنزعة الفاشية التسلطية تاسيساً للنظام والقانون، وهستيريا “الموت لإسرائيل” استعادة لروح المقاومة والعروبة.
نزعة التصنيم عند هؤلاء الكهنة جعلت القضايا الكبری مثل الوحدة والاشتراكية أصناماً شمولية بوليسية قبيحة دمرت الإنسان وأسقطت شرعية القضية. وبعدما أفنوا شبابهم في تحويل القضايا العادلة أصناماً مستبدة، ها هم يستثمرون كهولتهم في تحويل الطائفية والاحتلال الداخلي والعنصرية السلالية قضايا قومية ولاهوت سياسي.
هؤلاء هم أخطر طوائف عبدة الأصنام. لا يستطيعون العيش من دون صنم فاشي دموي مستبد يحرقون له البخور ويغسلون جرائمه ويبشّرون الناس بعبادته.
هوياتي وانتماءاتي
من بين كل انتماءاتي وهوياتي – وما أكثرها – لم أشعر بالانسجام إلا مع انتماءين اساسيين: انتمائي الوطني كـ”يمني” وانتمائي البشري كـ”إنسان”. أما الانتماءات – الهويات الأخرى التي يحاول المجتمع أو العائلة أو الأصدقاء أن يخلعوها عليَّ فلم أشعر براحة الضمير والتناغم الروحي والعقلي لتبنيها. لديّ انتماء قبلي الى قبيلة من أقوى قبائل اليمن. وانتماء عائلي الى عائلة عابرة للحدود، وترى لنفسها مكاناً مميزا في السلطة والعلم. ولديّ انتماء مذهبي لأقلية دينية وجدت مكاناً آمناً لها في المناطق الأكثر فقراً وعزلة وتوتراً في اليمن. لكني لم أنجح في حل ذلك التوتر الذي يهاجمني كلما حاولت أن أتبنى أيّاً من هذه الانتماءات كانتماء “رئيسي”. لا يمكني طبعا أن “أبتر” هذه الانتماءات، فهي موجودة مهما حاولت التخلص منها. لكني أحتفظ بها بعيداً جداً، هنالك في مخزن للأشياء العتيقة التي أعتزّ بها، لكنها لم تعد صالحة للاستعمال بسبب ظهور “اختراعات” هوياتية أرقى منها.
لماذا الانتماء الوطني والانساني دون غيرهما؟ لأنهما انتماءان “مفتوحان” في مقابل الانتماءات “المغلقة” الأخرى، القبلية والدينية والمذهبية. الانتماء الوطني انتماء حديث يقوم على فكرة المواطنة التي تصهر كل الهويات القبلية والعرقية والدينية في مركب واسع وديموقراطي يقوم على الحب والتكافل والعمل الجاد والشراكة في بناء الوطن. انتمائي الوطني إلى اليمن يوسع شخصيتي واختياراتي، إذ يضيف الى عمري القصير 3000 سنة من الحضارة التي عرفت أرقى تجارب البناء وهندسة السدود وديموقراطية الدولة والفكر الديني التعددي والتفاعل مع العالم. كما أنه يفتح لي مجالات لانتماءات أوسع، كالانتماء القومي والانتماء العالمي. فالانتماء الوطني في عصر العولمة تفاعلٌ مع أبعادنا الأخرى في العالم، وليس انغلاقاً وراء حدود الدولة. الانتماءات الضيقة إشكالية بالنسبة لي. أُحسُّ أنها سور صيني حول حركتي، أو قيد حديدي على فكري. كلها انتماءات نهائية غير ديموقراطية تقوم على التسليم المطلق بها والانتصار لها، “ظالمة أو مظلومة”. فالقبيلة أو العرق أو المذهب انتماءت شمولية قسرية لا تعترف بغير الولاء المطلق، حتى عندما تخطئ أو تبطش أو تقتل. وهي تختلف عن الوطنية مثلاً، لأن الانتماء الوطني لا يمنعك من نقد “وطنك” عندما يخطئ.
أغلب الأميركيين مثلا كانوا ضد الاجتياح الاميركي للعراق أو سجن غوانتانامو، ونظّموا مسيرات وأنشطة معارضة ضخمة جداً ليبرزوا رأيهم المعارض لسياسة الحكومة التي تتحدث باسم “الوطن الاميركي”.
لم يعد الانتماء الوطني انتماء مغلقاً وأبدياً بل صار الوطن “اختياراً”، إذا قررت الهجرة أو تغيير جنسيتك. بينما تظل الانتماءات القبلية والمذهبية والعرقية مغلقة ونهائية. حتى قدرة الأفراد في المجتمعات المفتوحة على تغيير دينهم لا تجعل الدين انتماء مفتوحاً. فتغيير الدين ليس إلا انتقالاً من انتماء ضيق الى انتماء ضيق آخر يقوم على الحصرية والاختلاف.
في اللحظات التي كنت أحاول لسبب أو لآخر “الانتقاء” بين هوياتي المغلقة، كنت أدرك كيف أنها ترتكز الى حد كبير على “الكراهية” و”التعالي” تجاه الآخر.
هتلر قاد حروبه الدموية بعدما نجح في تضليل الألمان وتحويل الوطن “قومية عرقية” متعصبة. كما أن أشد الحروب وحشية في التاريخ تمت تحت جناح الدين أو المذهب أو القبيلة: الإبادة الجماعية بين التوتسي والهوتو. أو تحت جناح العرق: ابادة الدولة العثمانية لأكثر من مليون أرمني.
تتراجع الانتماءات المفتوحة لصالح الانتماءات الضيقة، خالقةً ذلك التوتر الكامن الذي يصبح في أحيان كثيرة وقود الحروب والمواجهات الأهلية والاقليمية. أما حين يمضي التاريخ في مسيرته الصاعدة نحو الأفضل والأرقى فإن الناس يقدمون انتماءاتهم المفتوحة على الضيقة، ويميلون الى الاندماج مع الآخر، بعيداً من المبالغة في تأكيد الاختلاف والتميز والخصوصية.

شارك الموضوع
انتقل إلى أعلى