..الحرب المسكوت عنها

في الذكرى العشرين للقرار الأممي 1325 حول: المعنفات في اليمن

وردة العواضي*

يتشارك العالم اليوم بالإحتفال بالذكرى العشرين لصدور القرار 1325 حول المعنفات في اليمن في ظل الأزمات التي تفشت في اليمن طيلة السنوات الماضي مع سنوات الحرب ونتشارك كنساء يمنيات بالإحتفال بالذكرى العشرين للقرار وضمن حملة مجموعة التسعة بالشراكة الفاعلة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
هذا المقال يسلط الضوء على وضع النساء اليمنيات المعرضات للعنف بعد مرور عقدين من الزمن على واقع المراة بما يخص حماية العنف من النساء وهي اهم محاور القرار 1325.. فماذا حدث؟ وما هو حال النساء؟
بعد عشرون سنة “اليمن من أسوأ البلدان التي تعيش فيه النساء ” كما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية تختزل معاناة النساء في بلد تقف على قاعدة ثرية من العنف الذكوري سواء كان اجتماعي قبيلي، قانوني وديني.
مع الأسف الشديد، المرأة اليمنية فعلاً هي حالة اجتماعية معنفة، عدى حالات محظوظة تعتبر استثناء.
تراكمات العادات والتقاليد الاجتماعية مع القبيلية مضاف إليها الثقافة الدينية فكونت مجتمع ذكوري ضخم منتفخ بالعنف ضد النساء، منتفخ لدرجة حد كتم انفاسهن من حالات معنفة فعل ماضي، معنفة فعل حاضر، ومعنفة فعل مضارع مستمر ومستقبل.
المرأة المعنفة في اليمن يا سادة يا كرام، معنفة كونها إمراة، هي المطلقة، هي الطفلة التي سرق زوجها منها طفولتها واغتصبت مع سبق الاصرار والترصد، هي الفتاة والزوجة والأخت التي تقتل بسم الشرف في الشارع أو فوق الجبل وفي قاعة المحكمة أو في وضح النهار وامام اعين الناس، وهي الفتاة التي تحاسب على كل تنفس يخرج منها وهي في الجامعة تراقب كل حركة صغيرة تعملها من أمن الجامعة الذي يراقبها وهي تحمل سمعتها تحت طبق من الجمر والخوف.
وهي العورة التي يتحدث عنها الشيخ العديني وامثاله كمادة دسمة في استهداف النساء وتسليط العنف ضدهن, وهي العار والشرف, وهي تلك التي تتحرك من تحت طبقات من الملابس السوداء تتحدى كل عوامل البيئة من شمس وحر وشتاء وتنفس ثم يقال لها ,”احمدي الله، انتي مكرمة، انتي محظوظة، انتي بنت ناس. “!!
بل وهي تلك التي يقول لها الطبيب ان تبحث عن أشعة الشمس من أقرب شرفة ان وجدت في العمارة، او حديقة البيت ان كانت تمتلك، لتحصل على فيتامين دال التي حجبت عنه لأنها عورة وعار.

المعنفة هي الطلفلة ” مآب ” ذات الاحدى عشر عاما التي عذبت من قبل إبيها والذي تلذذ بتعذيبها قبل ان يطلق عليها رصاصات على ظهرها الصغيربعد ان كسر فكها, ليحكم عليها بالاعدام لغسل شرفة الذي لم يملكه قط. ويعيش هذا الأب القاتل المجرم حراً لأن القانون المستمد من الشريعة الإسلامية لا يقتص الأصل من الفرع ولا مساحة لتطبيق المواثيق الدولية المصادق عليها من قبل اليمن. ثم يعلق الأب القاتل امام الشرطة بأنه أبوها ولن يكون احدا احن عليه من بنته “ظناه ” يقصد بنته مآب الذي عذبها قبل ان يعدمها.

المعنفة اليمنية، هي سميحة الأسيدي التي حاولت ان تنتزع حقها عبر القانون والشرع الذي اعطى لها كمرأة ثقب ضيق لتنتزع حقها في اخيتار الزواج بمن تريد. وهي حتى مطلقة لا بكر!! فالقوانين اليمنية المستمدة مصدرها من التشريعات الاسلامية لم تعط المرأة حق ولاية نفسها بنفسها، بل نقل الولاية من ذكر الى ذكر اخر. ولإن سميحة خلقت إمراة, فما كان عليها إلا أن تطالب بالمساحة الصغيرة الضيقة التي اعطى لها الشرع والقانون في أحقيتها في تحويل الولاية… وكان جزائها ان تذبح امام القاضي من قبل اخيها الذي اعطى لنفسه الحق ان ينهى حياتها بسبب مطالبتها بحقها الشرعي والقانوني الاساسي والبسيط، واعتبار ذلك منها جرأة على وصايته الذكورية بسبب ثقافته الذكورية في امتلاك روح وحياة نساء أسرته، ويحدث ذلك امام القاضي في قاعة المحكمة وامام الحاضرين.
ولإن سميحة إمراة، فدمها لم يكن سوى لون أحمر مسكوب فوق قاعة المحكمة وعاش اخوها الجاني حراً طليقاً بل وبطلاً مغواراً لانه ببساطة ما زال في القوانين اليمنية والتشريعات الاسلامية اعطاء الحق لاولياء الدم التنازل عن دم فرد من الاسرة ولا يعتبر حق عام وجناية يعاقب عليها ولذلك يسهل جرائم قتل النساء خاصة.
المعنفة اليمنية هي تلك التي يتحرش بها محارمها، وإن أراد ان يخفى جريمته البشعة يتخلص منها بإسم غسل الشرف، وتموت القضية وتموت الحكاية بصمت كما حدث لكثيرات وكما حدث مع احدى المراهقات في احدى القرى اليمنية قبل 18 عاما حادثة مجهولة وجريمة شرف مجهولة تقيد تحت اسم مجهول نشرت في جريدة المرأة ..وتبدأ الحكاية بعد ان ظهر على تلك المراهقة المجهولة التي لا تخرج من البيت ولا تعرف احد سواء انها وجدت ذات يوم ان بطنها منتفخة وتؤلمها ويتطوع اخوها بأخذها الى المستشفي للكشف عنها في امانة العاصمة…وهناك يقول الطبيب ان الفتاة حامل، ”الف مبروك” ..”لم يخبر الأخ اخته بانها حامل بل اخفى عنها، وقال لها أن الأمر بسيط، فقط تحتاجي اخذ الادوية وسوف تتحسنين وأعادها الي البيت وهناك اخبر امه بالأمر…واقنعها بان الحل هو ان يعجلوا بغسل شرفهم قبل ان تنتشر الفضيحة وقبل ان يصل ابوه من السفر دون التحقق من من حملت ,وكيف حصل ذلك؟؟ وهذا كان نموذج من التحرش الجنسي من قبل المحارم ان ارد ان يخفي جريمته وتسدل استار حكاية ة هذة المراهقة المجهولة، باتفاق الأخ مع امه في تنفيذ الجريمة في تصويب بندقيته على اخته المراهقة من النافذة بينما الأم تكون معها في الحوش و تلهيها. ويطلق الاخ الرصاصة لتتمكن من اختراق قلب تلك المراهقة … لتسقط قتيلة وهي لا تعلم ما ذنبها ولماذا كان بطنها منتفخاً !!! وتغادر اسوار اليمن الحزين مجهولة حق وقضية وهوية؟؟ والمصيبة الأكبر هي أن تنشر جريدة للمرأة في صنعاء الحادثة من باب الاتعاظ للفتيات لتحافظ على شرفها لا من باب التحقيق ونبذ جريمة الشرف…جريمة قتل النساء بدما بارد. لن ننسى ذلك المقال والقصة في اول ايام امتهاني العمل الصحفي.

المعنفة اليمنية هي كائن بدون صوت وصورة، بدون إسم، بدون ,تباع بمهر غالي، وسموها ديتها المقدمة من زوجها. فإن طلبت الطلاق يقتلها في شارع البلبلي في صنعاء كما حدث لمديحة الحداد وتترك جثة هامدة تغطي بشاشة باللون الاحمر..والمارة ينظرونا اليها.
أو تقتل بسبب أنها لم تحضر العشاء لأخيها، وكل ذنبها أنها قالت، “تاعبة ودع زوجتك تحضر لك العشاء”..وكان العقاب اطلاق النار عليها ودفنها ليلا من قبل اخيها الذكوري الغضبان والرافض ان يسمع كلمة ” لا ” من إمراة .

المعنفة اليمنية هي الطفلة الفتاة التي تدفع ثمن طلاق أبويها وتتجرع العنف الاسري كأصيلة..هي التي تموت من شدة الضرب المبرح و التعذيب حتى الموت وكل تلك القضايا لان قضايا معنفات نساء وفتيات ..لا تأخذ طريقها إلي العدالة .
..
لذلك…ادرك بعضهن نتيجة السكوت ونتيجة أن الخوف لن يحميهن…فاصبح هناك معنفات هاربات من العنف ومن الموت ومن المجهول الي المجهول وخوض مغامرة ومقامرة تنجح او تخسر.
زادت حالات الهروب بسبب العنف وبسبب ضحايا العنف.
فمنهن من هربت حتى لا تموت مجهولة حق وقضية ..و غامرت بالهروب وطالبت بالنجدة عبر السوشال ميديا قبل ان تقتل و تحاك قضيتها علي يد الجناة من من محارم الأسرة ..وتسجل بانها عار وكان لا بد من غسله ….هؤلاء الناجيات عددهن لا بأس به …هي إحسان جمال التي اطلقت هشتاق ” شوفوا لي حل ” وظهرت على فيديوا لايف وقامت بشيء لم تفعله بنات محافظتها في الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي وكشفت عن وجهها، بل وتطلق قضيتها لتصبح قضية راي عام، كما تعرضت للتهديد بالقتل من مجهولين يمنيين حتى لا تحرض بنات أخريات يقفن في حدود سور بين الموت والحياة والنجاة ، سور البحث عن حياة اخرى. وهروب من عنف أسري.

الهاربات او الناجيات هن ايضا كما ساطلق عليها بإسم “حنان” التي أختارت ان تحفظ مظلوميتها كرأي عام والعنف الاسري التي تعرضت له طيلة فترة طفولتها الي شبابها من ضرب مبرح وتهديد بالقتل مراراً ، هربت وجازفت بحياتها و أصبحت ناشطه حقوقية تحمل بركان في وجدانها، لا تخاف وتحارب في سبيل حرية المراة والانسان,..الناجية هي ايضا حياة العيدروسي التي اطلقت هشتاق#حياة وكسرت هي ايضا الخوف وظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي لتتحول قضيتها إلي رأي عام، وقف معها الكثيرين ووقف ضدها ايضا بعض ناشطون حقوقيون كونها شريفة /.هاشمية للتشيكك في عدالة قصيتها ونسوا إنها إمراة وحالة معنفة ونصيبها من العنف محفوظ كأنثى لا يهم إن كانت شريفة أو بنت باشا..بل حالة محكومة عليها بالعنف المؤبد والقتل ينتظرها في اي لحظة..

هؤلاء المعنفات الناجيات ادركن ان السكوت لن يمنحهن الحياة، بل الموت المؤكد. لذلك اخترنا المجهول بدلاً من الاعدام .
ايضا وحتى لا ننسى…
المعنفة اليمنية هي ايضا تلك التي تلقي التمييز العنصري والتنمر بسبب لونها الأسمر، كبسمة ناصر، تلك الناشطة السمراء الجميلة التي اطلقت صوتها في السوشيال ميديا وعبرت عن ألمها وجرحها من عنصرية المجتمع اليمني تجاه المراة السمراء او السوداء لتفتح ملف حساس قديم لم يفتح من قبل سوى بعبارات عابرة متحفظة لا كقضية مهمة وعنف موجه للنساء السمروات او السوداوات في التنمر على شكلهم ولونهم.
قائمة المعنفات من النساء في اليمن طويلة ودسمة جدا سببها بيئة المجتمع التي تحكمها العادات والتقاليد والدين والقبيلة كونت عنف دسم، عنف ثلاثي الابعاد، عنف مكعب لا تتنفس من خلاله المراة.
ولا ننسى التيارات والأحزاب الدينية التي غذت العنف ضد المراة واضافت اليها شرعية بانه دين وحق , وكذلك دورها الأساسي في تعطيل تطبيق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وحقوق المرأة لان التشريعات الاسلامية مصدر من مصادر الدستور اليمني وهو سبب في تعطيل اصلاح القوانين التمييزية ضد المرأة وتغيير ثقافة العنف ضد المراة داخل المجتمع اليمني .
بعد عشرون سنة، لا جديد سوى مزيد من العنف ضد المراة.

شارك الموضوع
انتقل إلى أعلى