وهيبة الشرعبي .. يوميات حبيبة الحلقة الحادية عشرة

وقبل ان أفيق من دهشتي كان حمدي قد غادر ، عدت الى الطيرمانة، لا ادري هل حملتني ساقاي ام حملتهما..هل كانت الأرض تمشي بي ام أني مشيت عليها!كانت بشرى تنتظر الماء..

  • مالش؟
  • ولاشيء!
  • وشش مخطوف ، او ابسرتي جني بالطريق..
    -مش وقتش ياخيريه، بشرى نزلي هذا لأمي
  • ناهي ، ان عادش ذكرتي ، قدلي نص ساعه مراعيه.
  • ماافعل خالتي بدرية مايصدقو تبسر احد قدامها
    ضحكت خيرية..
  • آمانه كانت عتخرب التخرينه حقي!
    غادرتنا بشرى وكان داخلي مشتعلاً
  • خيريه..
  • ماهو.
  • حمدي..
  • ماله؟
  • كان تحت
  • الله يستر..أنتو الأثنين، بترول ونار،..!
  • يعني…
  • يعني ، مش انا دارية بين أحبكم الأثنين لكن حاسه بمصيبة عتجي على رؤوسكم.أصلا مابش معكم آمل، تعذبوا أنفسكم بس..أخي حراف آنتاف وعادوه مشواره طويل ، وأهلش قد قبلوا خطبتش، والولد أبن ناس وتقريبا جاهز..وعرسش العطله يعني ٨ اشهر من ذلحين للتذكير بس، للمه العذاب هذا!
  • مش بيدي صدقيني..

انهارت مقاومتي ، كان داخلي يبكي بحرقة ،فاحتضنتني خيرية فبكيت كما لم أبك قط في حياتي.

  • ماهو هذا..؟ سمعتي، كأن حد فتح الباب..!

مبتعدة عن خيرية قليلا..

  • مابش حد يتهيأ لش..

كان ذاك حمدي، أراد ان ينهي حديث بدأ به قبل قليل ، لكنه تريث عندما سمع صوت نحيبها..دلف الطيرمانة، فاشارت له أخته أن يغادر..

وعلى نقيض هذا وذاك..
كانت سوسن في عالم آخر..مسحوبة برسائل حبيبة لحمدي..بينما حمدي كلما أقنع نفسه انها المرة الأخيرة، وجد نفسه يغرق اكثر..مستغلاً سذاجة سوسن، وطالبا منها ان تكتب له أكثر..!

من رسائلها له..

.. مررت بجوارنا في أحدى المرات ، خارجا من منزلكم، وعلى زاوية الشارع الفرعي لحارتنا توجهت، فأختبأت منك كي لاتراني، ولكن هبت رياح عطر انفاسك، وخيمت السكينة في قلبي للحظات طويلة..فقالت صديقتي

  • كأن الجو تغير فجاءة، وأصبح باردا بعد حرارة كادت تلهب انفاسنا..!
    أردت ان أشير لك وأخبرها، أن لأنفاسك سحر عجيب على كل شيء! لكني أحجمت وتركت سر تغير الطقس لنفسي..!

قررت وماأكثر قرارتي التي جميعها بلا إستثناء أعود عنها مؤخرا، مثلا؛ وعدتني ان لا أفكر بك !
كان قرارا صممت عليه ، وبدأت بتنفيذه، كتبت وريقات كثيرة ، بها بعض العبارات الغير مكتملة..مثل “الطقس لايتغير لأجل آخرين” أو “الملامح الضبابية لاتبقى طويلا” او “إشتعال النيران، لا يطفئها ماء”، وهكذا، كلها عبارات لن يفهمها سواي، وأنت ربما!

علقت بعضها على خزنة ملابسي، ثم أصبح بعضا منها ملصقا على جدران مخزن بيتنا، ثم سقيفتنا، ثم دفاتري، وعلى أطراف أصابعي كتبت رموزا..كلها مفادها، أنني لن أبحث عنك مرة آخرى داخلي.. !
وسألني الجميع ماسر تلك الوريقات، وتلك العبارات الغامضة وماذا تعني!
فكذبت وقلت أني أرمز بها لشيء اتذكره كلما مررت بجوارها..
ضحك الكثير سذاجتي، وبعضهم علق عليها، وبعضهم اعجبتهم، أما أنا..فقد أكتشفت كم بانني لم أكن أكذب.لأنني كلما مررت بأحداها..وقفت دقائق عديدة أفكر بك، وأستحضر روحك ..ك عجوزا شمطاء تدعي تحضير الأرواح، وبدلا من أن لا أفتش عليك..وجدتك تستوطنني، بل أتخذت لي من عيناك موطنا..
هل تراك ستفهم يوما ماذا فعلت لمصابة بك!
كن أنت جميلاً،
لأجلي ، كن بخير!
سوسن..

كان الجو مغيماً مشيرا الى ان امطار غزيرة قادمه عصر ذاك اليوم، وكعادتها حبيبة جلست القرفصا على سطح منزلهم، بإنتظار هطول الغيث، محدثة نفسها بانه لايغسل الأحزان كالرقص تحت المطر..
كانت تلك هي أجمل ممارستها منذ كانت طفلة، الدوران في ساحة بيتهم ساعة هطول المطر، ولم تكن وحدها، بل كان كل من ينتمى الى فريقها من الصغار يتبعون خطاها، فقد علمتهم ان تلك هي طريقة ناجحة لأدخال السعادة الى قلوبهم..ومااكثر مالاقت تانيباً من نساء الحارة، وشكاوي عندما يعود الاطفال الى بيوتهم مبللون، وبعضهم يصاب بوعكة برد..وحدها آمنت ان المطر علاج لها وليس داء..
وقفت حافية القدمين، وشرعت اذرعتها للرياح بالاتجاه العكسي للمطر..وأغمضت عينيها وبدات الدوران..غزارة المطر الشديد تضرب بقوة وجهها، بينما حبيبة تمارس رقصة الدوران حول نفسها، بطريقة متتالية..وكلما اشتدت غزارة المطر كلما أتسعت إبتسامتها.. حبيبة تفتح فمها لأستقبال حبيبات المطر التي تصطدم بوجهها ، هكذا تغسل كل ماعلق بها، وفي قلبها لحن أبدي لاينتهي..!

  • خلاص كفايتش، متى عتبطلي جنانش هذا عتبردي!؟ كان الصوت قريبا جدا منها..صوته هادئا، وكأنه كان هناك منذ فترة يراقبها، فتحت عينيها بسرعة لتجد حمدي يقف أمامها، واضعاً يديه على رأسه محاولاً ان يقي نفسه من غزارة سقوط المطر، ولكن عبثا ينجح!

-جحفه، فجعتني، وأنت مادخلك أنا في سقفنا..والا هي شعبطة والسلام!

نظر اليها مبتسماً،مدركا طريقتها في الهروب وإتخاذ الهجزم وسيلة أصبح يعرفه جيدا..محدثا نفسه عن أجمل مصيبة أبتلاه الله بها..!

  • ناهي قومي إدخلي ذلحين خيرية وسوسن بالطيرامانه، اتفرجي لهن، إبسري جالسات يتفرجين لش من الشباك ياخضعيه.!

ماسر إبتسامته التي أربكتها ، لم تقل شيء،كانت طيرامانة بيت خيرية محاطه بالشبابيك من كل الجهات ، رفعت حبيبة عينيها لترى وجه خيرية وسوسن تطالعانها من خلف الزجاج لكنها لم تستطع تحديد ماذا يقول وجه كل منهما..!
أحكمت وضع طرحتها على رأسها التي ربطتها بطريقة عكسية للخلف، وسارت باتجاه مدخل سقيفة بيتهم عندما أستوقفها حمدي متذرعاً، وفي صوته لهفه لاتخفى.

  • من هانا ياحبيبه، مايصلحش أمي ريحان عيصيحوا فوقش، سيري عند خيريه.

كانت تدرك ان لفعل المطر في تصرفاتها تأثيرا على مدى إستجابتها. لذالك
طواعية اعادت ادراجها الى سقف بيت حمدي بينما بقي هو خلفها مراقبا لها حتى دخلت الطيرامانة. طرق حمدي الباب مناديا خيرية.

  • خيريه أنزلين تحت وأديتي للمجنونه آداه تغير عد يجي لها مرض السل وهي بتتخيا نفسها وسط المطر.
  • ناهي يااخي، الأن، وانتو والكل انزلوا غيريوا عتستبردوا
    عينا سوسن تحدقان بها ببلاده، سرعان ماتفحصت حبيبه بدقة وكأنها تراها لأول مرة ، بينما حبيبة لم تقل شيء وفضلت الصمت على أن تقول شيئا قد تفهم منه سوسن ماخشته..ولكن سوسن لم تقل شيئا أيضاً!
  • أرتحتي ذلحين، حالي يعني خرجتي أخي بين المطر!
    خيرية تنزع غطاء الرأس من حبيبة وتدعك شعر حبيبه لتجفيفه، حبيبة تسلم نفسها لخيرية، فوحدها خيرية تلعب دور الصديقة الآم لحبيبة
    بقيت واجمة لفترة، لم تقل شيء، فقد حدث العكس بعد مجيء حمدي، واحتل صدرها غصة جثمت عليها، ويبدو ان خيرية فطنت لها..فالتزمت الصمت هي أيضا، بينما بقيت سوسن تراقب صديقاتيها الجديدتين منذهلة من طريقة التقارب، والتعامل، فخيرية تلعب دور الأم، وحبيبة الفتاة الساذجة، اما حمدي فقد لعب دور الرجل العاشق الذي أقلقه رؤية حبيبه تعرض نفسها للمرض، فلم يتمالك نفسه وخرج ليوقف جنونها!
    مشهد تمثيلي، وكأنها تحضر فيلما أجنبي!
  • الو..
  • مساء الخير، كيف أنتي ياحبيبة؟
  • بخيره وانت كيف حالك؟
  • أنا بخير..
  • تشتوا شيء؟
  • أنا أشتيش انتي..!
  • خساره مايبعونيش بالأسواق عندكم!؟
    انفجر ضاحكا..

-عندي لش خبر ،كنت أشتي اقولش مارأيش أوكل أبي يعقدوا لنا وتلحقيني هانا..
-بدون عرس!

  • أنتي من نفسش قلتي كل شيء يكلف وأنا محتاج للفلس، اعملي حفلة صغيرة عندش وتعالي، أنا ماشأقدر أعيش بدونش، مرت الثلاثة الأشهر هذه كودي اتحمل!

هل لها حق الرفض! وماذا سيتغير، ربما هذا في مصلحتها، فلن يتألم حمدي اكثر، ولن يضطر لرؤيتها، ولن يقال عنها انها تلاعبت بمشاعر محمد، ستسافر ولن تؤلم الآخرين ، وليست مضطره حتى لعمل حفلة عرس..

  • مش انا دارية حاكوا أبي، واللي يقوله أبي سوووه
  • وأنتي مالش رأي ؟
  • اللي يقوله أبي سوووه، انا مش معترضه
    -كنت داري انش ماعتخذليني.

قبل حديث محمد بأسبوع كانت الحادثه التالية..

كعادة حبيبه تنتظر خيرية في الطيرمانه..ولم تعد كعادتها تنزل الى بيت حمدي. طرق باب الطيرمانه وجاء وصوت حمدي..غاضباً

  • حبيبه أشتيش ممكن ادخل..؟
  • خير، مابه؟
    دخل حمدي وبيده رسائل سوسن..شحب وجه حبيبة، وأصبح قلبها بين يديها معرضأ في أي لحظة للسقوط..
  • به هؤلا..!
    مشيرا للرسائل..وهو في قمة غضبه
    -قلت يمكن مجرد لعبه تلعبي على المسكينة ، شوية ويرجع لش عقلش، لكن كل مره تتمادي
  • مافعلت هي طلبت مني..
    قاطعها
  • تكتبي لها، مش لي! يعني تشتي تقنعيني أن أنتي بتكتبي عن سوسن!
    وأكمل..
  • ماعاد فيني للجنان، جننتيني مش أنتي دارية ماتشتي، تمنيت ان انتي ماتوافقي على الخطوبه ولمحت لش، ان في قلبي لش حاجه يابنت الناس، ولمحتي لي ان انتي ماوافقتي، ومع هذا كذبتي ، وطلع انش وافقتي! ذلحين ماهو غرضش! تكسري قلب بنت الناس، ليش يازعم، والا تكسري قلبي انا مافعلت بش! والا تثيري غيرة حبيب القلب، ماتشتي اسكه قولي ماتشتي!

ردة فعله غير متوقعه وربما بالغ فيها، هكذا كانت حبيبه تحدث نفسها، محاولة أن تهدأ، براكين الألم داخلها تنضح ،هل حقا يتهمها بانها تؤذي سوسن، بأنها تؤذيه، ايتهمها بأنها تلعب بعواطفه، كيف له أن يفعل، الم يعلم كيف تنقسم روحها نصفين عندما يتألم هو!
وقفت حبيبه وبدأ جسدها يترنح من الالم، شعرت بانها ترتجف، بينما صوت حمدي لم يتوقف..عن اللوم ودفاعه عن من أسماها بالمسكينة “سوسن” ، حاولت ان تشرح دون جدوى..

  • أنا.. أنا

كانت تغرق بألم الغصات، صدرها يؤلمها، وشيء داخلها يترنح، عيناها تفيضان آلما، ودموعا توقفت على محاجرها، كان كل شيء يدور حولها، بينما حمدي لم يتوقف..غير مدركا أن حبيبه آيلة للسقوط

  • أنتي أيش من بشر، وجه ملاك وأفعال شيطانية ،مابش عندش رحمه، أنا وسوسن ويمكن محمد والكل بتلعبي علينا، مدري بتلعبي علينا والا على نفسش، لكن هوذانا بين أحذرش ولا عاد أشتي ابسر رسالة بخط يدش…و

لم تعد تسمع شيئا، كانت حبيبة قد سقطت على أرضية المجلس، عندما أنتبه حمدي، ان جسدها وقلبها لم يتحملان..!

  • حبيبة

فتح باب الطيرمانه ينادى خيريه، ولا يدري هل يقترب بحكم انه طبيب ام ينتظر خيرية التي فزعت من صوت أخيها وصعدت كاالمجنونه

  • مابه ، ماوقع ، يعووووو مافعلت!!
    عندما وجدت جسد حبيبه ملقياً على أرضية المجلس
  • حبيبه، حبيبه أغمى عليها، انا السبب، انا السبب.

كان منفعلا، مرتبكا يهذي، يلوم نفسه، يدور حول حبيبه، ولأول مره كانت خيريه تحاول تهدئته بعد ان رات حالة الفزعه تلك..

  • سهل سهل، إهداء هي احيانا تنسى تأكل طوال اليوم ويحصل عندها هبوط ، كم قد اغمى عليها لاتفتجعش وتفجعني
  • لا لا أغمى عليها بسببي انا ، انا صيحت عليها، واتهمتها باطل، كنت أشتي أوجعها مثلما توجعني، ماتخيلت انه يا الله انا السبب، انا السبب، شكله إنهيار عصبي، لازم مستشفى!

وبدأ يصرخ، فما كان من خيرية الا أن على صوتها أيضاً

  • أهجع ، اسكه اصه! ناهي لك انت وحقك التفاسير ، مش احنا دكاتره ،احنا نفهمها من حاجة ثانية ،ذلحين الحقني بعطر والا حاجه نشمهها لها، وبطل جنان لو طلعوا الناس على صوتك عتوقع مصيبه!! عديقولوا مدري ماقد فعل بها. والى حلقة اخرى من
    يوميات حبيبة
شارك الموضوع

4 أفكار عن “وهيبة الشرعبي .. يوميات حبيبة الحلقة الحادية عشرة”

  1. Pingback: food list for keto diet

تم إقفال التعليقات.

انتقل إلى أعلى